محمد الريشهري

319

موسوعة معارف الكتاب والسنة

نَظَرَ فَأَبصَرَ ، وذَكَرَ فَاستَكثَرَ ، وَارتَوى مِن عَذبٍ فُراتٍ سُهِّلَت لَهُ مَوارِدُهُ ، فَشَرِبَ نَهَلًا « 1 » ، وسَلَكَ سَبيلًا جَدَداً . « 2 » قَد خَلَعَ سَرابيلَ الشَّهَواتِ ، وتَخَلّى مِنَ الهُمومِ ، إلّاهَمّاً واحِداً انفَرَدَ بِهِ ، فَخَرَجَ مِن صِفَةِ العَمى ومُشارَكَةِ أهلِ الهَوى ، وصارَ مِن مفاتيحِ أبوابِ الهُدى ومَغاليقِ أبوابِ الرَّدى . قَد أبصَرَ طَريقَهُ ، وسَلَكَ سَبيلَهُ ، وعَرَفَ مَنارَهُ ، وقَطَعَ غِمارَهُ ، وَاستَمسَكَ مِنَ العُرى بِأَوثَقِها ، ومِنَ الحِبالِ بِأَمتَنِها ، فَهُوَ مِنَ اليَقينِ عَلى مِثلِ ضَوءِ الشَّمسِ . قَد نَصَبَ نَفسَهُ للَّهِ سُبحانَهُ في أرفَعِ الامورِ ، مِن إصدارِ كُلِّ وارِدٍ عَلَيهِ ، وتَصييرِ كُلِّ فَرعٍ إلى أصلِهِ . مِصباحُ ظُلُماتٍ ، كَشّافُ عَشَواتٍ ، مِفتاحُ مُبهَماتٍ ، دَفّاعُ مُعضِلاتٍ ، دَليلُ فَلَواتٍ . يَقولُ فَيُفهِمُ ، ويَسكُتُ فَيَسلَمُ ، قَد أخلَصَ للَّهِ فَاستَخلَصَهُ ، فَهُوَ مِن مَعادِنِ دينِهِ ، وأوتادِ أرضِهِ « 3 » .

--> ( 1 ) . يقال : أنهلتُهُ ؛ إذا سقَيتَه حتّى رَوِي ، ونَهِلَ البعيرُ نَهَلًا : شرب الشرب الأوّل حتّى رَوِىَ فهو ناهِل ( المصباح المنير : ص 628 « نهل » ) . ( 2 ) . المكانُ الجَدَدُ : أي المستوي من الأرض ( النهاية : ج 1 ص 245 « جدد » ) . وهو هنا على نحو الاستعارة . ( 3 ) . نهج البلاغة : الخطبة 87 ، أعلام الدين : ص 127 ، شرح ابن ميثم على مئة كلمة للجاحظ : ص 228 كلاهما نحوه ، بحارالأنوار : ج 2 ص 56 ح 36 .